روزبهان البقلي الشيرازي ( شطاح فارس )

24

عرائس البيان في حقائق القرآن

المحبة التي تليها الحياء ، ثم الرهبة ، ثم الرغبة . وقال الأستاذ : العبادة بستان القاصدين ، ومستروح المريدين ، ومرتع الأنس للمحبّين ، ومرتع البهجة للعارفين ، بها قوة أعينهم ، وفيها مسرّة قلوبهم ، ومنها راحة أبدانهم « 1 » . قوله تعالى : اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ أي : اهدنا مرادك منا ؛ لأن الطريق المستقيم ما أراد الحق من الخلق ، من الصدق والإخلاص في عبوديته . وأيضا أرشدنا إلى ما أنت عليه . وأيضا اهدنا إنابتك حتى نتّصف بصفاتك . وأيضا اهدنا إلى معرفتك ، حتى نستريح من معاملتنا بنسيم أنسك ، وحقائق حسنك . وقيل : معنى اهدنا أي : مل بقلوبنا إليك ، وأقم بهمّنا بين يديك ، وكن دليلنا منك إليك حتى لا تقطع عمّا لك بك . وقيل أي : أرشدنا طريق المعرفة ؛ حتى نستقيم معك بخدمتك . وقيل أي : أرنا طريق الشكر فنفرح ، ونطرب بقربك . وقيل : اهدنا بفناء أوصاف الطريق إلى أوصافك التي لم تزل ولا تزال . وقيل : اهدنا هدى العيان بعد البيان ؛ لنستقيم لك على حسب إرادتك . وقيل : اهدنا هدى من يكون منك مبدأه ؛ حتى يكون إليك منتهاه . وقيل : اهدنا الصراط المستقيم على الصراط بالغيوبة ؛ لئلا يكون مربوطا بالصراط . قال الجنيد : إن القوم لّما سألوا الهداية عن الحيرة التي وردت عليهم عن إشهاد صفاته الأزلية ، فسألوا الهداية إلى أوصاف العبودية ؛ كيلا يستغرقوا في رؤية صفات الأزلية . قال بعضهم : إليك قصدنا ، فقوّمنا . وقيل : اهدنا بالقوة والتمكين . وقال الحسين أي : اهدنا طريق المحبّة لك ، والسعي إليك . قال الشبلي : اهدنا صراط الأولياء والأصفياء . وقال بعضهم : أرشدنا الذي لا اعوجاج فيه ، وهو الإسلام . وقيل : أرشدنا في الدنيا إلى الطاعات ، وبلّغنا في الآخرة الدرجات .

--> ( 1 ) أراد بالعبادة المبنية على التوحيد ، فإن العبادة بلا توحيد عبادة المشركين ، فلا تعود إلى اللّه ، وإنما تعود إلى الآلهة الذين اتّخذوها معبودين من دون اللّه ، دلّ على هذا تقديم المعمول الدال على القصر ، فإذا كانت العبادة مخصوصة به تعالى ؛ كانت الاستعانة أيضا كذلك ، إذ لا يستعين المرء إلا بمعبوده .